أبي نعيم الأصبهاني
259
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء
ويحى ! كأنه قد تصرم اجلى ثم أعاد ربى خلقي كما بدأني ، ثم أوقفنى وسألني وسأل عنى وهو أعلم بي ثم أشهدت الأمر الذي اذهلنى عن أحبابي وأهلي ، وشغلت بنفسي عن غيرى ، وبدلت السماوات والأرض وكانتا تطيعان وكنت اعصى ؛ وسيرت الجبال وليس لها مثل خطيئتي ، وجمع الشمس والقمر وليس عليهما مثل حسابي ؛ وانكدرت النجوم وليست تطلب بما عندي ، وحشرت الوحوش ولم تعمل بمثل عملي ، وشاب الوليد وهو أقل ذنبا منى . ويحى ! ما أشد حالي وأعظم خطرى ، فاغفر لي واجعل طاعتك همى ، وقو عليها جسدي ، وسخ نفسي عن الدنيا واشغلنى فيما ينفعني ، وبارك لي في قواها حتى ينقضى منى حالي ، وامنن على وارحمني حين تعيد بعد اللقاء خلقي ، ومن سوء الحساب فعافنى يوم تبعثني فتحاسبنى ، ولا تعرض عنى يوم تعرضنى بما سلف من ظلمي وجرمي « 1 » ، وآمني يوم الفزع الأكبر يوم لا تهمنى إلا نفسي ، وارزقني نفع عملي يوم لا ينفعني عمل غيرى . إلهي أنت الذي خلقتني ، وفي الرحم صورتنى ، ومن أصلاب المشركين نقلتنى ، قرنا فقرنا حتى أخرجتني في الأمة المرحومة ، إلهي فارحمني إلهي فكما مننت على بالاسلام فامنن على بطاعتك ، وبترك معاصيك ابدا ما أبقيتني ولا تفضحني بسرائرى ، ولا تخذلني بكثرة فضائحى . سبحانك خالقي أنا الذي لم أزل لك عاصيا فمن اجل خطيئتي لا تقر عيني ، وهلكت إن لم تعف عنى ، سبحانك خالقي بأي وجه ألقاك ؟ وبأي قدم أقف بين يديك ؟ وباي لسان اناطقك ؟ وبأي عين انظر إليك ؟ وأنت قد علمت سرائر امرى ، وكيف اعتذر إليك إذا ختمت على لساني ، ونطقت جوارحي بكل الذي قد كان منى . سبحانك خالقي فانا تائب إليك متبصبص ؛ فاقبل توبتي ، واستجب دعائي وارحم شبابي ، واقلنى عثرتي ، وارحم طول عبرتي ، ولا تفضحني بالذي قد كان منى .
--> ( 1 ) في المختصر : ولا تعرض على ما سلف من ظلمي وجرمي .